محمد هادي معرفة

295

شبهات وردود حول القرآن الكريم

وفيه وجه ثالث ، وهو : أن يكون الاستثناء من الخلود مكث أهل الذنوب من المسلمين في النار ، حتّى تلحقهم رحمة اللّه وشفاعة رسوله ، فيخرجوا منها إلى الجنّة . فكأنّه قال سبحانه : خالدين في النار ما دامت السماوات والأرض إلّا ما شاء ربّك من إخراج المذنبين من المسلمين إلى الجنّة وخالدين في الجنّة ما دامت السماوات والأرض ، إلّا ما شاء ربّك من إدخال المذنبين النار مدّة من المدد ثم يصيرون إلى الجنّة . « 1 » هذا ما ذكره ابن قتيبة بهذا الشأن ، والآيتان من مشكل القرآن ، على حدّ تعبير المفسّر الكبير أبي علي الطبرسي . وأفاد هو هنا وجوها لحلّ الإشكال نذكرها بالتالي ، ولنبدأ بالآيتين . بكاملتهما : قال تعالى : يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ . فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ . خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ . وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ . « 2 » فقد وقع الاستثناء بشأن كلّ من الأشقياء والسعداء ، أمّا الاستثناء بشأن الأشقياء فلا موضع للكلام فيه ، نظرا لأمرين : أحدهما : أنّ هذا الاستثناء لم يقع بشأن المجموع من حيث المجموع ، بل بشأن الجميع حسب الأفراد ، فالجميع محكومون بالخلود في جهنّم إلّا ما شاء ربّك بشأن بعضهم ، ولعلّهم الأكثر حسب مقتضى الذنوب التي ارتكبوها ولعلّها تقع موضع عفو ربّهم الكريم . ثانيهما : أنّ الشقاء إنّما هو في مرتبة الاقتضاء للخلود ، وليس علّة تامّة . ومن ثمّ صحّ الاستثناء حسب مشيئة الربّ إذا تحقّقت أسبابه في حين . هذا فضلا عن أنّ مخالفة الوعيد لا ضير فيه ولا حزازة فيه على الكريم .

--> ( 1 ) تأويل مشكل القرآن ، ص 76 - 78 . ( 2 ) هود 11 : 105 - 108 .